سامي محمود يكتب: سمفونية العقل والقلب والروح
الإنسان ليس كائنًا عابرًا في هذا الوجود، ولا رقمًا تائهًا في زحام الحياة، بل هو سرٌّ إلهيٌّ جميل، صاغته القدرة العليا من عقلٍ يتأمل، وروحٍ تحلّق، وجسدٍ يعمل. فإذا انسجمت هذه الأبعاد الثلاثة، خرج الإنسان في أبهى صوره، كزهرةٍ تعرف جذورها في الأرض، ولا تنسى شوقها الأزلي إلى السماء. أمّا إذا اختل هذا التوازن، انكسرت النغمة، واضطرب اللحن، وتاه الإنسان في صراعات الداخل قبل صراعات الخارج.
وقد شاء الله للإنسان أن لا يُترك وحيدًا في متاهات التجربة، ولا فريسةً لعقله إن استبدّ، ولا لعبودية الجسد إن طغى، فجاء الإسلام منهجًا جامعًا، لا يقصي بعدًا لحساب آخر، بل يصنع الانسجام العميق بين العقل والروح والجسد، ليخرج إنسانًا سويًّا، نقيًّا، متوازنًا، قادرًا على البناء لا الهدم، وعلى العطاء لا الإقصاء.
العقل في الرؤية الإسلامية نعمة كبرى، ووسيلة للفهم والعمران، به تُقرأ السنن، وتُفكك الظواهر، وتُبنى الحضارات. غير أن العقل، مهما بلغ من نضجٍ ومعرفة، يظل محدود الأفق إن انفصل عن القيم، وقد يتحول إلى أداة قسوة إن لم تهذبه الأخلاق. ولذا حذّر الشيخ محمد الغزالي من علمٍ بلا ضمير، ورأى أن أخطر ما يهدد البشرية هو عقلٌ ذكيٌّ بلا قلبٍ حيّ، ومعرفةٌ متقدمة بلا مرجعية أخلاقية، فتنقلب الحضارة إلى قوةٍ ماديةٍ عمياء.
وقد صدق التاريخ هذه الرؤية، حين شهد العالم تقدّمًا مذهلًا في العلوم، يقابله انهيار أخلاقي مروّع، فالعلم وحده لم يمنع الظلم، ولم يوقف الحروب، ولم يحمِ الإنسان من أخيه الإنسان، لأن المعرفة حين تنفصل عن الهداية تفقد معناها، وتتحول إلى عبءٍ على البشرية بدل أن تكون رحمةً لها.
أمّا الجسد، فقد جعله الإسلام أمانة، لا صنمًا يُعبد، ولا عدوًّا يُقمع. له حاجاته المشروعة، وله غرائزه الفطرية، لكنه لا يُترك ليقود الإنسان حيث شاء، بل يُضبط بالحكمة، ويُهذّب بالقيم، ويُدار بالعقل المستنير. وقد بيّن الشيخ عبد الرحمن أبو زهرة أن الشريعة لم تحارب الشهوة، وإنما حاربت انفلاتها، لأن الجسد إذا حُكم بالعقل والإيمان صار طاقة بناء، وإذا تُرك للهوى صار معول هدم.
وأما الروح، فهي جوهر الإنسان، ومصدر سكينته، فإن لم تُسقَ من نبع الوحي، تعطّشت للغيب المزيّف، وتعلقت بالخرافة، وسقطت في شباك الدجل، لأن القلب لا يقبل الفراغ. وقد أكّد الشيخ عبد الحليم محمود أن الروح إذا اتصلت بالله اتسعت للناس، وإذا زُكّيت بالإيمان صارت أكثر قدرة على العطاء، وأكثر قربًا من قضايا المجتمع والإنسان.
من هنا جاء الإسلام منهجًا متكاملًا، لا يعزل الإنسان عن الحياة، ولا يقطعه عن واقعه، بل يضعه في قلب العمران بوعيٍ ومسؤولية. فجعل التوحيد تحريرًا داخليًا من كل عبودية زائفة، وجعل الصلاة ميزانًا يوميًا يضبط إيقاع النفس، ويعيد ترتيب الداخل، وجعل الصيام مدرسةً لكسر سلطان الشهوة، وتحرير الإرادة من سطوة اللذة، وجعل الزكاة تطهيرًا للمال والقلب معًا، وجعل الحج خاتمة الرحلة، حيث يتجرد الإنسان من الزينة والادعاء، ويقف عبدًا خالصًا، متذكرًا مآله، فيحسن مسيره.
وقد قدّم هذا المنهج نماذج إنسانية سامقة، لم تكن أساطير، بل بشرًا عاشوا الألم والابتلاء، وخرجوا أكثر صفاءً وثباتًا. أيوب علّم الإنسانية أن الصبر ليس استسلامًا، بل ثقة. ويوسف جسّد العفة بوصفها قوة داخلية لا ضعفًا. ويعقوب قدّم مثال الحزن النبيل الذي لا ينقلب يأسًا. ثم جاء محمد صلى الله عليه وسلم، فكان اكتمال الصورة: نبيًّا وقائدًا، رحيمًا وحازمًا، زاهدًا وباني دولة، ومثالًا أعلى للاتزان الإنساني.
وحين حُوصِر هو وأصحابه في شِعب أبي طالب ثلاث سنواتٍ قاسية، اشتد فيها الجوع، وبلغت المشقة مبلغًا أكلوا معه ورق الشجر، لم يتخلَّ أحدٌ منهم عن رسالته، ولم تنكسر الروح الجماعية، لأنهم لم يكونوا جماعة مصالح، بل جماعة قيم، ولم تجمعهم الدنيا، بل وحّدهم الإيمان. صبروا لأنهم كانوا يرون بنور اليقين ما لا يُرى بعيون الخوف.
ثم جاءت المدينة، وجاء الأنصار، فكتبوا واحدةً من أنقى صفحات التاريخ، حين اقتسموا المال والدار والخبز والمصير مع المهاجرين، دون منٍّ أو تكلّف، لأن الإيمان حين يسكن القلوب يطفئ الأنانية، ويصنع مجتمعًا متراحمًا، يرى في الآخر امتدادًا للذات لا تهديدًا لها.
ومن هذا الفهم العميق للإسلام، تتجلى رؤية إنسانية رحبة، ترفض الغلو والتطرف، وتنأى عن التعصب الأعمى، ولا تعرف العنصرية ولا الطائفية ولا العرقية ولا القبلية ولا التحزب الضيق. رؤية تؤمن بأن الاختلاف سنّة كونية، وأن التنوّع ثراء، وأن الحقيقة الكاملة لا يملكها فرد ولا جماعة، بل تتكامل عبر الحوار وتعدد الزوايا.
ومن هنا ينبع الإيمان الصادق بالدولة الوطنية الجامعة، الدولة التي تحتضن أبناءها جميعًا، وتصون كرامتهم، وتجمعهم على أرضٍ واحدة ومصيرٍ واحد. فالانتماء للوطن ليس شعارًا، بل وعيٌ ومسؤولية، والاصطفاف الواعي خلف القيادة السياسية تعبير عن إدراك عميق لقيمة الاستقرار، وأهمية الدولة، وخطورة الفوضى التي لا تُنتج إلا الخراب.
فالإيمان الحق لا يصنع إنسانًا ناقمًا ولا ثائرًا أعمى، بل يصنع مواطنًا واعيًا، ناقدًا بإخلاص، داعمًا بالإصلاح، مؤمنًا بأن الأوطان لا تُبنى بالصراخ، بل بالصبر والعمل والتراكم، وبأن الدولة حين تسقط لا ينجو أحد، وأن الحفاظ عليها فريضة عقلية وأخلاقية قبل أن تكون واجبًا وطنيًا.
وفي عالمٍ يرفع شعارات براقة، ثم تتهاوى أقنعته عند أول اختبار أخلاقي، تتأكد الحاجة إلى منظومة قيم حقيقية، لا ازدواج فيها، ولا كيل بمكيالين. وهنا لا يكون النقد صخبًا، بل وعيًا، ولا يكون الرفض فوضى، بل تمسكًا بمعيار إنساني واحد، يرفض الظلم أينما كان، دون حقدٍ أو تعميم.
وهكذا يصنع الإسلام إنسانه:
إنسانًا وطنيًا بلا تعصب،
مؤمنًا بلا انغلاق،
منفتحًا بلا ذوبان،
مختلفًا بلا عداء،
ناقدًا بلا تخريب،
داعما لوطنه لأنه يدرك أن الأوطان لا تُستبدل، وأن المستقبل يُبنى بالعقول الهادئة والقلوب العامرة بالإيمان.
ذلك هو الإنسان السوي، النقي، الطاهر، الذي إذا أحبَّ أحبَّ بصدق، وإذا اختلف اختلف بوعي، وإذا آمن لم يُقصِ، وإذا انتمى انتمى بلا كراهية، وإذا كتب كتب ليجمع لا ليفرّق، وليزرع الأمل لا اليأس.
ذلك هو الإنسان الذي أراده الإسلام،
وذلك هو الإنسان الذي تستحقه الأوطان.
